حسن الأمين

169

مستدركات أعيان الشيعة

وأحسن إلى المحسن واشتد على المريب ، وارفق بالعامة والخاصة . . ) * وبذلك يكون قيس أسبق أصحاب علي ( ع ) إلى القيام بدور كبير في الدولة ، في وقت انصبت الجهود على استعادة خطها الجذري السابق ، حيث كان لمصر موقع خطير في الصراع المرتقب ، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية ومن هذا المنظور ، فان انظار معاوية لم تغب عن هذه الولاية الهامة ، برغم اشتداد وطيس الحرب في صفين ، فكان من هواجسه تفادي محاصرة الخليفة للشام والأطباق عليه من العراق ومصر في نفس الوقت ، مما جعله يركز على الأخيرة للحئول دون وحدة الولايتين ، تلك المحاولة التي كلفت عليا اثنين من كبار أعوانه ( الأشتر ومحمد بن أبي بكر ) ، تأمر عليهما معاوية بالقتل ، كما تأمر على سلفهما ( قيس بن سعد ) بالعزل ، مؤديا ذلك إلى إرباك الجبهة العراقية التي تلقت ضربة قاسية بخروج مصر من يدها وسيطرة معاوية عليها . ولعل أهميتها من هذا المنطلق تبرز مرة أخرى إبان الصراع على السلطة بين المروانيين والزبيريين الذين شكل افتقادهم لمصر ضربة مماثلة ، بعد أن أعطاها مروان بن الحكم الأولوية التي أعطاها لها معاوية قبل ذلك ، حاسما الموقف إلى حد كبير لمصلحة الدولة الأموية « الجديدة » . توجه قيس « في سبعة نفر من أصحابه » إلى مهمته الصعبة التي استهلها بتلاوة كتاب تعيينه ودعوة المصريين إلى البيعة ، معقبا على ذلك بخطبة تظهر حزمه وحكمته في آن ، فضلا عن المرونة التي تجلت في رحابة موقفه وترك حيز كبير للحوار ، من غير أن يكون هذا الطرح مألوفا في مثل تلك الظروف ، حيث خاطب المصريين ، فيما يرويه أبو مخنف ، بقوله : « إنا قد بايعنا خير من نعلم . . فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ص ، فان نحن لم نعمل بذلك فلا بيعة لنا عليكم » . وقد وقعت هذا الكلمات موقع الرضا في ولاية ما تزال تعج بأنصار الخليفة السابق وقياداته من أمثال عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، واليه المقرب ، ومسلمة بن مخلد الأنصاري الذي حاول القيام بحركة مناوئة لقيس ، تحت شعار الطلب بدم عثمان . . ولكن قيسا لم يعبا بهذه الحركة ، لا سيما وأن مسلمة الأنصاري تهيب المضي في تصديه لوال قوي ، يجيد صنعة القتال ، بمثل ما يحسن صياغة الموقف السياسي ، مما سهل عليه ، احتواء هذه الحركة ، استنادا إلى رواية ابن الكلبي . وقد أشارت الرواية نفسها إلى أن مصر استجابت بكاملها لقيس ما عدا قرية واحدة ، وردت « خربتا » عند الطبري و « خرنبا » عند ابن الأثير . ولعل موقف القرية التي وصف أهلها بأنهم قد عظموا قتل عثمان . وقادهم رجل من كنانة ، يحمل أكثر من مؤشر في سياق الصراع على السلطة الذي كان لا يزال محصورا بحدود ما في إطاره السياسي فثمة ما يستوقفنا هنا ، هو تلك الحوارية اللافتة التي تمتع بها قيس وذلك الخطاب الهادئ الذي توجه به إلى « المتمردين » ، وهو من موقع القوة ، بعد « استقامة » أمور الولاية قائلا لهم : « إني لا أكرهكم على البيعة وأنا أدعكم وأكف عنكم » . فشل محاولة احتوائه بيد أن هذه الحوارية التي كان لها تأثيرا كبير في السيطرة على مصر ، اتخذت سبيلا لمحاربته من جانب معاوية وشن حملة ذكية عليه ، بعد أن فشل في احتوائه واستدراجه إلى صفوفه ، حيث نجح في إثارة الشكوك لدى علي ( ع ) حول سياسة واليه على مصر واتخاذ قرار بعزله ، بعد شهور قليلة من تعيينه . ذلك أن معاوية ، توجسا من خطر قيس « وثقله » ، حسب الرواية التاريخية ، بادر إلى التفاوض معه ومحاولة ضمه إلى صفوفه ، بما يترتب على موازين الصراع العسكري الذي لم يكن حين ذاك لمصلحة معاوية . فكتب اليه ، حسب رواية ابن الكلبي ، منطلقا من الشعار الذي خاض به معركته في الشام ، ومن التمسك بشرعية العهد السابق : « فإنكم كنتم نقمتم على عثمان بن عفان رضي الله عنه في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط ضربها أو شتيمة رجل أو في تسييره آخر أو في استعماله الفيء ، فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل لكم . فقد ركبتم عظيما من الأمر وجئتم شيئا إدا ، فتب إلى الله عز وجل يا قيس ، فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان رضي الله عنه ، إن كانت التوبة تعني شيئا . ولعل أبرز ما ينطوي عليه هذا النص ، هو مقايضة معاوية لقيس بدم عثمان من موقع التهمة التي وصف الأخير فيها ، بأنه أكثر من ضالع في قتل الخليفة السابق ، الذي لم يسلم منه أحد حسب تعبيره ، بمن في ذلك الخليفة السابق الذي زعم معاوية أنه » أغرى به الناس وحملهم على قتله حتى قتلوه « ، منتهيا به - أي قيس - إلى الوعد بان يكون له » سلطان العراقين « إذا ما تحول إلى ركب المطالبين بدم عثمان . كما ينطوي هذا النص على أهمية الجانب الاعلامي في المعركة ، وما يمكن ان تخضع له القيم والشعارات من تدجين وتوظيف لها في خدمة المآرب الخاصة كما يحدث عادة في الحروب الأهلية التي تنقلب فيها المقاييس وتتبدل الاعتبارات ، من غير أن يتورع أي طرف من طرح نفسه ممثلا للشرعية معبرا عن مضمونها ، مهما ابتعدت مواقعه عنها . ولعل ذلك من أخطر ما تواجه الأمة ، وهو رفع شعارات الحق على سدة الباطل ، حيث كان معاوية رائدا في هذا المجال ، عندما جوز لنفسه محاسبة قيس و » حكومته « من موقع اسلامي ، في وقت كان يعلن العصيان على الإسلام ، الذي تمثله الخلافة الشرعية . كانت هذه المداهمة ، مما برع به معاوية في أساليبه لاستدراج الخصوم ، حيث استخدم ذلك بعد نحو ربع قرن مع أبناء الصحابة في الحجاز ، الرافضين بيعة ابنه ( يزيد ) وليا للعهد . ولكن ذلك لم يلق أذنا صاغية لدى قيس الذي أثبت أنه لم يكن فقط جذريا في المبدأ وصلبا في الموقف ، وإنما أثبت أيضا قدرته في المفاوضة ومجاراته معاوية في اكتساب الوقت : « فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان رضي الله عنه ، وذلك أمر لم أقارفه ولم أطعن به ، وذكرت أن صاحبي هو أغرى الناس بعثمان ودسهم اليه حتى قتلوه ، وهذا لم اطلع عليه ، وذكرت ان عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي ، وأما ما سألتني من متابعتك وعرضت علي من الجزاء فقد فهمته وهذا لي فيه نظر وفكرة وليس هذا ما يسرع إليه ، وأنا كاف عنك ولن يأتيك من قلبي شيء حتى ترى ونرى إن شاء الله والمستجار الله عز وجل » . والواقع أن قيسا ، كما تبدي لنا من النص ، لم يسارع إلى فتح المعركة مع معاوية في أول الطريق ، مستفيدا ما أمكن من الوقت ، لتثبيت أوضاعه في مصر ، من غير السكوت على ما أورده من تهمة له ولصاحبه ولعشيرته . ولكن هذا الموقف الذي لم يره معاوية « الا مقاربا مباعدا » ، كان غير مقبول لديه ، وسرعان ما لجا إلى محاولة ثانية أكدت له عقم الحوار مع قيس الذي تصدى مرة أخرى بجذريته القاطعة للمساومة وما كانت تنبطه من تهديد : « فان العجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك رأيي ، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالامرة وأقولهم للحق وأهداهم سبيلا وأقربهم من رسول الله ص وسيلة ، وتامرني بالدخول في طاعتك ، طاعة أبعد الناس عن هذا الأمر وأقولهم للزور وأبعدهم من الله عز وجل ورسوله ص وسيلة . . وأما قولك إني مالئ عليك مصر خيلا ورجلا ، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك إنك لذو جد . ولعل ما سبق من النصوص ، يزيد مساحة الضوء على شخصية قيس التي استحقت ما وصفت به ، من أنه صاحب حزم ورأي ، وكان ذلك قد أدرك معاوية ، حين قرر التخلص من خصمه القوي بآية وسيلة . فلجا أولا ومعه